الجاحظ

202

المحاسن والأضداد

وهي التي علمت نساء المدينة النقع ، وهو النخر والحركة والغربلة والرهر ، وكانت لها سقيفة تتحدث إليها رجالات قريش ، ولم يكن في الدنيا أهل بيت إلّا وتأخذ صبيانهم ، وتمصهم ثديها ، أو ثدي إحدى بناتها ، فكان أهل المدينة يسمونها « حواء » . ولم يكن بالمدينة شريف ممن يجلس في سقيفتها إلّا واصل إليها في السنة ثلاثين وسقا وأكثر من طعام وتمر ، مع الدنانير والدراهم ، والخدم والكساء . فجاءها ذات يوم مصعب بن الزبير ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، وابن لعبد الرحمن ابن أبي بكر ، فقالوا لها : « يا خالة قد خطبنا نساء من قريش ، ولسنا ننتفع إلّا بنظرك إليهن ، فأرشدينا بفضل علمك فيهن » ، فقالت لمصعب : « يا ابن أبي عبد اللّه ومن خطبت » ؟ قال : « عائشة بنت طلحة » ؛ قالت : « فأنت يا ابن الصديق » ، قال : « أم القاسم بنت زكرياء بن طلحة » ، قالت : « فأنت يا ابن أبي أحيحة » ، قال : « زينب بنت عمرو بن عثمان » ، فقالت : « يا جارية علي بمنقليّ » - تعني خفّيها - فأتتها بهما ، فخرجت ومعها خادم لها ، فأتت عائشة بنت طلحة ، فقالت : « مرحبا بك يا خالة » ، فقالت : « يا بني إنا كنا في مأدبة لقريش ، فلم تبق امرأة لها جمال إلّا ذكرت وذكر جمالك ، فلم أدر كيف أصفك ، فتجردي لأنظرك » ، فألقت درعها ، ثم مشت ، فارتج كل شيء منها ، ثم أقبلت على مثل ذلك ، فقالت : « فداك أبي وأمي ، خذي ثوبيك » . وأتتهن جميعا على مثل ذلك ، ثم رجعت إلى السقيفة فقالت : « يا ابن أبي عبد اللّه ، ما رأيت مثل بنت طلحة عائشة قط ممتلئة الترائب ، زجاء العينين ، هدبة الأشفار ، مخطوطة المتنين ، ضخمة العجيزة ، لفّاء الفخذين ، مسرولة الساقين ، واضحة الثغر ، نقية الوجه ، فرعاء الشعر ، إلّا أنني رأيت خلتين هما أعيب ما رأيت فيها : أما إحداهما فيواريها الخف وهي عظم القدم ، والأخرى يواريها الخمار وهي عظم الأذن ، وأما أنت يا ابن أحيحة فما تستأنس إليه ، وهي ملاحة تعتز بها ، وأما أنت يا ابن الصديق ، فو اللّه ما رأيت مثل أم القاسم ، ما شبهتها إلّا بخوط بانة بتتثنى ، أو خشف يتقلب على رمل ، ولم أرها إلّا فوق الرجل ، وإذا زادت على الرجل المرأة لم تحسن ، لا واللّه ، إلّا من يملأ المنكبين ، فتزوجوهن » .